الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



تحقيقات وحوارات

السبت - 23 فبراير 2019 - الساعة 11:53 ص

مبنى تلفزيون عدن عند التأسيس 1964

كتب/أحمد محمود السلامي

في 11 سبتمبر 1964 مدينة عدن وضواحيها على موعد مع الحدث الإعلامي والثقافي والاجتماعي الكبير






شهدت عدن في أربعينيات القرن الماضي تطوراً كبيراً وملحوظاً في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية كافة ، وحدثت طفرة كبيرة في مستوى حياة الناس المادية والروحية ، لاسيما الفنية والثقافية والإعلامية ..فقد انتشرت الصحف وازدهرت حركة الطباعة والنشر والتأليف وتشكلت الندوات والفرق الموسيقية والمسرحية ، وكان لإذاعة عدن والتلفزيون من بعدها دورا كبيرا في إبراز تلك الإبداعات والنشاطات المتدفقة ، فبعد ثماني سنوات من عطاء إذاعة عدن بدأ التفكير في إنشاء خدمة البث التلفزيوني باعتبار أن الكادر البشري نسبياً متوفر خاصة المذيعين والمخرجين والإداريين ، وكان الهم الأكبر هو التمويل والإمكانيات التقنية التي يجب توفيرها .

فكرة انشاء التلفزيون وتوسع الاذاعة

لم يكن إنشاء التلفزيون ترفاً او إلهاءً للجماهير عن الثورة كما قيل في ذلك الوقت ، حيث ان فكرة إنشاءه طرحت منذ عام 1962م لينظم إلى وسائل الإعلام الوطنية هي التي جزء من مكونات قيام و بناء الدولة الجديدة (اتحاد الجنوب العربي ) مثلها مثل الوزارات الاتحادية والجيش النظامي و مؤسسة النقد للجنوب العربي والعملة الوطنية (الدينار) .. وكان على وسائل الإعلام -خاصة التلفزيون - أن تلعب الدور الكبير في تهيئة الناس وتعريفهم بأهمية التراص والوقوف مع النظام الاتحادي الجديد التي سيتسلم السلطة بعد جلاء الاستعمار البريطاني في مطلع عام 1968م .
عكف المجلس الاتحادي الأعلى منذ يناير 1963م على دراسة تقارير ومذكرات الحكومة الاتحادية ، التي تضمنت طلباً بإنشاء مؤسسة لإذاعة وتلفزيون الجنوب العربي كمؤسسة ربحية مستقلة تعتمد اعتماداً أساسياً على دخل الإعلانات ، على غرار قناة 11 اللبنانية او كما كانت تسمى (تيلي اورينت ) آنذاك .. وقد طالبت تلك التقارير باعتماد المشروع وخطط العمل ، والموافقة على مخاطبة الشركات الدولية للمقاولات التلفزيونية للقيام ببعض نواحي المشروع .
كان ذلك المشروع لا يقتصر على إنشاء محطة تلفزيون عدن فحسب بل يتضمن توسعاً كبيراً في خدمة الإذاعة الصوتية ، وكان يحضر اجتماعات المجلس مع وزير الإعلام والإرشاد (السلطان احمد بن عبدالله الفضلي) لمناقشة بعض الجوانب الفنية المستر ايمبورت ضابط الاتصال و الفريد مارساك مهندس الإذاعة الأول آنذاك .
وكان من المفروض ان يتم إظهار هذه المؤسسة إلى حيز الوجود في ابريل 1964م .. وإثناء المداولات قُدمت الكثير من الأفكار والمقترحات التي رأوا أنها ستساعد في توفير التمويل المطلوب لتنفيذ المشروع الإعلامي الضخم ، منها تقديم طلب إلى صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا للحصول على معونة من اعتماد : تطوير ورفاهية المستعمرات ، فرض رسوم على أجهزة الراديو والتلفزيون عند بيعاها في الأسواق.

35،000 جنيه إسترليني مساهمة في تكاليف التلفزيون

تحققت بعض تلك المقترحات منها دعم شركة النفط البريطانية لحكومة الاتحاد بــ 35،000 جنيه إسترليني مساهمة منها لتغطية تكاليف إنشاء التلفزيون .. كان مجموع تكاليف شراء أجهزة التلفزيون قبل ابريل 1964م ( 82 ألف جنيه إسترليني ) توفرت منها 41،600 جنيه فقط ، وكانت الشركات المتفق معها على شراء وتوريد الأجهزة تطالب بسرعة السداد حتى لا تلغي العقود وتبيعها لعملاء آخرين .
وأمام هذه المعضلة وبعد مشاورات حثيثة أبدت مجموعة الشركات الدولية للمقاولات التلفزيونية موافقتها على تقديم القروض لحكومة الاتحاد بفائدة قدرها واحد وربع في المائة حتى تستطيع تمويل مشروع التلفزيون .. على أن يتم تسديد قيمة القروض من الدخل الذي سوف تدره الإعلانات ، ومن خلال ما تقدم يتضح لنا الشحة الكبيرة في التمويل المالي لإنشاء تلفزيون عدن وهذا اثر سلباً على تطويره من الناحية التقنية في سنواته الثلاث الأولى وعدم تمكنه من شراء جهاز الفيديو (ابيض واسود) الذي كان سيسجل كل الأعمال الفنية المحلية والبرامج التي كانت تقدم في التلفزيون على الهواء مباشرة ، ولكن هذا الإخفاق أصبح صغيراً لا يُرى أمام تحقيق المنجز الكبير وهو أن يكون لعدن محطة تلفزيون .

11 سبتمبر 1964م التلفزيون .. حديث مدينة عدن


يوم الجمعة 11 سبتمبر 1964م كانت مدينة عدن وضواحيها على موعد مع الحدث الإعلامي والثقافي والاجتماعي الكبير وهو بدء الإرسال التلفزيوني وسط اندهاش وإعجاب أبناء المدينة بهذا الاختراع العجيب الذي لم يروا مثله من قبل كانت المحطة التلفزيونية الصغيرة تبث إرسالها الأبيض والأسود من دار حسن علي التي تم استئجارها وترميمها وتجهيزها خصيصاً لهذا الغرض على جبل صغير بالقرب من برج الساعة بالتواهي فوق الميناء مباشرة وكان الفنيون يوجهون الكاميرات التلفزيونية الضخمة إلى الميناء لالتقاط حركة دخول وخروج البواخر واللنشات في منظر حي ورائع .
ولم تمض أسابيع حتى اعتلت أسطح المنازل والعمارات الهوائيات الخاصة باستقبال البث التلفزيوني من كل حجم ونوع ، بعد أن سارع المواطنون إلى شراء أجهزة التلفزيون وهذا يدل على وعيهم وثقافتهم المدنية التي غيرت من خطة مسئولي التلفزيون بإعطاء مساحة اكبر للبث باللغة العربية وإلغاء بعض البرامج التي كانت تبث بالانجليزية . بدأت المحطة باستخدام جهاز بث قدرة 100 وات في قناة 10 التي كانت تغطي عدن وأجزاء من لحج وأبين إضافة إلى جهازيي تقوية قدرة 10 وات في البريقة و كريتر .

تلفزيون عدن الثالث عربيا

يعتبر تلفزيون عدن ثالث تلفزيون على مستوى الوطن العربي من حيث البث التلفزيوني المتكامل ببرنامج عام واضح المعالم إلى حد ما وساعات تشغيل يومية من الساعة 7 مساءً الى 9,30 مساءً كانت تقدم خلالها البرامج الفئوية والرياضية والأخبار والأفلام العربية والأجنبية .
خمس وحدات صغيرة أسست تلفزيون عدن
قبل بدء البث وفي فترة الإعداد الفني كان العمل يبدأ في الساعة الثامنة صباحاً وينتهي في الحادية عشرة مساءً بإشراف خبراء بريطانيين وقد تم تقسيم العاملين إلى خمس وحدات صغيرة على النحو التالي :
1ـ وحدة الإخراج وتكونت من : محمد عمر بلجون ، ابوبكر العطاس ، عبد الرحمن باجنيد ، علي الزريقي .
2ـ وحدة إنتاج الأفلام وتكونت من رئيس الوحدة علوي السقاف ومصورين هما علوي علي يافعي ومحسن باعمر .
3ــ وحدة التصوير تكونت من رياض عنتر و عيدروس عبد الرحيم وعبد العزيز خان وأنيس عبدالله حسن .
4ــ وحدة الرقابة الرئيسية وتكونت من اثنين هما سالم بامدهف و حمدي صالح .
5 ــ وحدة تركيب وتشغيل الاجهزة تكونت من : حامد محمد احمد ، محمد يعقوب ، ياسين مصوعي ، احمد نبيه ، محمد عبدالله الشعيبي ، طه محمد فارع .

مذيعون ومخرجون و محررون ومصورون في وقت واحد

المذيعون الأوائل لتلفزيون عدن بالإضافة إلى ظهورهم في الشاشة لقراءة الأخبار أو تقديم البرامج كانوا يؤدون أكثر من مهمة في التصوير والإخراج وإنتاج الأفلام السينمائية (16 مم) الخاصة بتغطية الفعاليات المحلية . وهم :
حسين الصافي ، محمد عمر بلجون ، علوي السقاف ، ابوبكر العطاس ، عبد الرحمن باجنيد . ومن الإذاعة عبد الحميد سلام و عديلة بيومي التي كانت تقدم برنامج " دنيا الأطفال" و فوزية غانم التي كانت تقدم برنامج " دنيا المرأة " , والتي لم تسمح لها ظروف عملها في الإذاعة بالظهور كثيراً في التلفزيون فتولت البرنامج المذيعة والقاصة فوزية عمر . كانت كل البرامج تقدم على الهواء مباشرة لعدم وجود جهاز الفيديو الخاص بالتسجيل نتيجة شحة الإمكانيات المادية كما ذكرت سابقاً .
كاميرات ضخمة وثقيلة وباهظة الثمن
عند افتتاح تلفزيون عدن في سبتمبر 1964م زود بكاميرات استديو من نوع Pye وهي ضخمة وثقيلة وباهظة الثمن مقارنة مع كاميرات ومعدات اليوم .. وكان يتعين على الفنيين القيام بعملية الإحماء لأنبوب الكاميرا الضخم الخاص بالصورة ، الذي يكون في درجة حرارة التشغيل ، وتظل مستقرة لبقية الوقت لضمان عدم وجود التشويه الهندسي وأن تكون الإعدادات المثلى متطابقة مع بعضها البعض في جميع كاميرات الاستديو .
كانت حرارة الجو تؤثر سلباً على مستوى أداء الكاميرات وكفاءة قنوات الإرسال والبث التلفزيوني بشكل اكبر في فصل الصيف ، حيث تكثر لحظات التوقف والاعتذار للمشاهد عن طريق عرض شريحة (لحظة من فضلك) .. وكان التلفزيون يتعرض للانتقاد والسخرية من بعض الصحف بسبب تلك الإنقطاعات القصيرة الخارجة عن إرادة المهندسين والفنيين الذين يبذلون جهوداً مضنية لاستمرار البث وعدم انقطاعه .

جهاز الفيديو شكل نقلة نوعية في مسيرة تلفزيون عدن


عام 1966م قامت إدارة تلفزيون عدن بالتعاقد مع شركة أجنبية لشراء جهاز الفيديو نوع (Ampex 2inch) الذي يعمل بالنظام التناظري (analog) وكانت تعلق آمال كبيرة على وصوله وتشغيله ، حتى أن حسين الصافي مدير عام الإذاعة والتلفزيون في حديث له نشرته صحيفة صوت الجنوب وصفه بالانقلاب في حياة التلفزيون وان نسبة البرامج المحلية سترتفع من 39% إلى 70% بفضل هذا الجهاز ولما له من أهمية في تسجيل الإنتاج المحلي من أغانٍ ودراما وبرامج محلية .
وصل الجهاز إلى التواهي عام 1967م وبسبب سوء الأوضاع الأمنية تأخر الخبير المختص في المجيء إلى عدن لتركيب الجهاز الضخم وتدريب الفنيين على كيفية تشغيله وصيانته ، ولهذا ظلت أجزاءه وأشرطته قابعة داخل الصناديق مدة طويلة إلى أن تم في عام 1968م استدعاء خبير من التلفزيون المصري لتركيبه وتدريب الفنيين على كيفية تشغيله وصيانته . شكل إدخال هذا الفيديو نقلة نوعية في تلفزيون عدن من حيث ازدياد مساحة المادة البرنامجية المحلية المصورة وعرض ما يتم تسجيله من الأغاني والتمثيليات المحلية وكذا المسرحيات وبعض المسلسلات المصرية التي أرسلها التلفزيون المصري .
للأسف الشديد كان وصول هذا النوع من الفيديو متأخراً حيث أن الشركات المصنعة قد انتهت في عام 1970م وهدمت المصانع المنتجة بالعبوات الناسفة لتبنى مكانها مصانع وبنايات جديدة ..وتم نسيان مثل تلك الأجهزة وطي صفحتها . ولكن في تلفزيون عدن بقيت هذه الأجهزة تعمل إلى أن تم تحديث المحطة بالأجهزة الملونة ضمن مشروع متكامل عام 1981م .. تدريجياً تم الاستغناء عن جهازي الفيديو القديم وهذا تسبب في إهمال كم هائل من المواد المحلية المسجلة على الأشرطة الأبيض والأسود التي لم تنقل إلى أشرطة الفيديو الحديث .. وهكذا انتهى جزء كبير ومهم من مكتبة تلفزيون عدن .
ــــــــــــــ